ابن عربي
229
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 156 ] الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 156 ) ثم من فضله ورحمته نعت لنا الصابرين لنسلك طريقهم ، ونتصف بصفاتهم عند حلول الرزايا والمصائب التي ابتلى اللّه بها عباده ، فقال في نعت الصابرين : « الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » يريد في رفعها عنهم ، وقولهم : « إِنَّا لِلَّهِ » فهم للّه في حالهم « وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » عند مفارقة الحال ، فالرجوع فيها إلى اللّه ليزول عنه ألمها ، فأثنى اللّه على من يقول إذا أصابته مصيبة « إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » وأخبر بما يكون منه لمن هذه صفته وبما لهم منه تعالى في ذلك فقال :
--> غير محسوس ، وهو ما يجدونه في أنفسهم من قول الكفار ، قد يمكن أن يكون منهم دعوى في الصبر ، فقال لهم اللّه : إني ابتليتكم بأمور محسوسة تتألم النفوس لأجلها ، فإن صبرتم عندها واحتسبتم ولم يشغلكم ذلك عن عبادتي ورجعتم إليّ في ذلك كله ، فسأبشركم بما لكم عندي لذلك ، فقال تعالى : « وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ » أي بقليل « مِنَ الْخَوْفِ » أي من الأسباب المخيفة ، من جمع عدو لكم لا طاقة لكم بدفعه ، حتى أرى هل تخافون غيري ، أو ترجعون في دفع ذلك إليّ لعلمكم بأن ذلك من تسليطي ، ثم قال : « وَالْجُوعِ » أي وقلة الرزق وعدمه حتى يمسكم الجوع ، فنرى هل ترجعون في دفع ألم الجوع إليّ أو إلى الرزق ، ثم قال : « وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ » موت الإبل والغنم ، فإنها أموالهم قد خصوها بهذا الاسم ، وقلوبهم منوطة بها « وَالْأَنْفُسِ » بطاعون يسلطه عليهم « وَالثَّمَراتِ » بالجوائح ، فإن احتسبوا ذلك وصبروا على ما كلفهم اللّه من عبادته في كل ما ابتلاهم به ولم يشغلهم ذلك صدقوا في صبرهم ، فبشرهم اللّه فقال : « وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ » ثم نعت الصابر ليعلم من هو الصابر عنده سبحانه الذي يصح له البشرى من اللّه ، لأن ذلك لا يدرك إلا بإعلامه ، فقال في نعت الصابرين : ( 157 ) « الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ » نالتهم مصيبة ، أي نزلت بهم رزية في أموالهم وأنفسهم ، أية مصيبة كانت مشتق من صاب المطر إذا نزل « قالُوا إِنَّا لِلَّهِ » أي إنا خلقنا للّه لا لأنفسنا ، أي لنعبده ، لأنه يقول : ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ما خلقنا لرزق ولا لنعيم ولا بؤس ، فما كان من اللّه إلينا من خير فمن فضله ومنته ، وما كان من غير ذلك فمن حكمه وقضائه ، فالواجب علينا القيام بوظيفتنا من عبادتنا في هذه الأحوال المختلفة من النعيم والبؤس « وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » فيها على حسب ما كلفنا ، فإن كلفنا بالسؤال له في دفعها رجعنا إليه سائلين متضرعين داعين في دفع ذلك عنا من حيث ما أمرنا ،